صفي الرحمان مباركفوري
149
الرحيق المختوم
على أطراف قدميه كي يخفي أثره فحفيت قدماه ، وأيا ما كان ، فقد حمله أبو بكر حين بلغ إلى الجبل ، وطفق يشتد به حتى انتهى به إلى غار في قمة الجبل ، عرف في التاريخ بغار ثور « 1 » . إذ هما في الغار ولما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر : واللّه لا تدخله حتى أدخله قبلك ، فإن كان فيه شيء أصابني دونك ، فدخل فكسحه ، ووجد في جانبه ثقبا فشق إزاره وسدها به ، وبقي منها اثنان فألقمهما رجليه ، ثم قال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ادخل . فدخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ووضع رأسه في حجره ونام ، فلدغ أبو بكر في رجله من الحجر ، ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فسقطت دموعه على وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : ما لك يا أبا بكر ؟ قال : لدغت ، فداك أبي وأمي ، فتفل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فذهب ما يجده « 2 » . وكمنا في الغار ثلاث ليال ، ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد « 3 » . وكان عبد اللّه ابن أبي بكر يبيت عندهما . قالت عائشة : وهو غلام شاب ثقف لقن ، فيدلج من عندهما بسحر ، فيصبح مع قريش بمكة كبائت ، فلا يسمع أمرا يكتادان به إلا وعاه ، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام . و ( كان ) يرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم ، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء ، فيبيتان في رسل - وهو لبن منحتهما ورضيفهما - حتى ينعق بهما عامر بن فهيرة بغلس ، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث « 4 » . وكان عامر بن فهيرة يتبع بغنمه أثر عبد اللّه بن أبي بكر بعد ذهابه إلى مكة ليعفى عليه « 5 » . أما قريش فقد جن جنونها حينما تأكد لديها إفلات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صباح ليلة تنفيذ المؤامرة . فأول ما فعلوا بهذا الصدد أنهم ضربوا عليا ، وسحبوه إلى الكعبة ، وحبسوه ساعة ، عليهم يظفرون بخبرهما « 6 » .
--> ( 1 ) رحمة للعالمين 1 / 95 ، مختصر سيرة الرسول للشيخ عبد اللّه النجدي ص 167 . ( 2 ) رواه رزين عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، وفيه ثم انتقض عليه ( أي رجع أثر السم حين موته ) وكان سبب موته . انظر مشكاة المصابيح ، باب مناقب أبي بكر 2 / 556 . ( 3 ) انظر فتح الباري 7 / 336 . ( 4 ) صحيح البخاري 1 / 553 ، 554 . ( 5 ) ابن هشام 1 / 486 . ( 6 ) رحمة للعالمين 1 / 96 .